عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

482

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

يقول لنفسه جدّى وكدّى * فما في خدمة الرحمن عار يناجى ربه والدمع جار * إلهي إن قلبي مستطار إلهي ما منائى منك دار * من الياقوت يسكنها الحوار ولا جنات عدن يا إلهي * ولا شجر تزينه الثمار ولكن وجهك الباقي منائى * به فامنن ففي ذاك الفخار * قلت : وإنما كان الأمر كذلك ، لأن كل أحد إنما يشتاق إلى محبوبه ؛ فمن غلبت عليه محبة اللّه في الدنيا لم يشتق إلا إلى لقائه ، والنظر إلى وجهه الكريم ؛ ومن غلب عليه حبّ الحظوظ من المطعم والمشرب والمنكح والملبس والمسكن كأمثالنا ، اشتاق إلى الجنة ونعيمها الذي هو محبوبه ، فلمثل هذا يقال : تفكر يا أخي في أهل الجنة كيف يسقون من رحيق مختوم ، جالسين على منابر من الياقوت الأحمر ، في خيام اللؤلؤ الرطب الأبيض ، فيها بسط من العبقري الأخضر متكئين على آرائك منصوبة ، على أنهار تجرى بالخمر والعسل ، محفوفة بالغلمان والولدان ، مزينة بحور عين خيرات حسان ، كأنهنّ الياقوت والمرجان ، قاصرات الطرف لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جان ، يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حلل الجنان ، وينظر الزوج وجهه في صدرها أصفى من المرآة ، لبهاء نورها لمعان ، ويطاف عليهم وعليهنّ بأكواب وأباريق وكأس من معين ، ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء بما كانوا يعملون ، يأكلون من أطعمتها ، ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا ، في أنهار أرضها فضة ، وحصباؤها مرجان ، وترابها مسك أذفر ، ونباتها زعفران ، وكثبانها كافور ، وأكوابها من فضة مرصعة بالدرّ والياقوت والمرّجان ، فيها الرحيق المختوم الممزوج بالسلسبيل العذب ، تشرق الأكوان نورا من ضياء جوهرها ، يبدو الشرب من ورائها برقته وحمرته وصفائه وبهجته ، في كف خادم يحكى وجهه ضياء الشمس ، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ينظرون إلى وجهه الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم ،